محمد حسين علي الصغير
26
تاريخ القرآن
يتلقون فيها الأوامر ، ويتسلمون التعليمات من السماء ، كما دل على ذلك قوله تعالى - فيما اقتص اللَّه من خبر إبراهيم عليه السّلام مع ولده - : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ( 102 ) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ( 103 ) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ( 104 ) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 105 ) « 1 » . فأشارت الآيات إلى الرؤيا الصادقة في المنام ، وإلى استفادة إبراهيم عليه السّلام وولده عليهما السلام ، الأمر الإلهي فيها ، للدلالة على أنها وحي يستلزم العمل به ، بدليل تعقيب ذلك من قبل اللَّه في خطاب إبراهيم عليه السّلام بتصديق الرؤيا وجزاء المحسنين . وقد تكون الرؤيا في جزء من هذا الملحظ تمهيدا للوحي المباشر ، وقد يعبر عنها بالصادقة أو الصالحة ، كما حصل هذا المعنى بالنسبة لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم أول بدء الوحي ، كما في رواية أم المؤمنين عائشة : « أول ما بدئ به رسول اللَّه من الوحي الرؤيا الصادقة ( الصالحة ) في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح » « 2 » . وقد تكون الرؤيا نوعا من الوعد الحق الذي يقطعه اللَّه لنبيه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم كما هو الحال في شأن فتح مكة ، قال تعالى : لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ . . . 27 « 3 » . وقد دل على جميع ما تقدم مضافا للآلات القرآنية ما يروى عنه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم : « انقطع الوحي ، وبقيت المبشرات : رؤيا المؤمن ، فالإلهام ، والتسخير والمنام » « 4 » .
--> ( 1 ) الصافات : 102 - 105 . ( 2 ) البخاري ، الجامع الصحيح : 1 / 7 . ( 3 ) الفتح : 27 . ( 4 ) الراغب ، المفردات : 516 .